السيد نعمة الله الجزائري

24

الأنوار النعمانية

ويطلب من يهرب ويسبى ذراريهم فاصطفى من السبي من أهل بيت يهود أربعة نفر فيهم دانيال ، وصاطفى من ولد هارون عزيرا وهم حينئذ صبية صغار فمكثوا في يده وبنو إسرائيل في العذاب المهين والحجة دانيال عليه السّلام أسير في يد بخت نصّر تسعين سنة فلما عرف فضله وسمع ان بني إسرائيل ينتظرون خروجه ويرجون الفرج في ظهوره ، وعلى يده امر ان يجعل في جبّ عظيم واسع ، ويجعل مه الأسد ليأكله فلم يقربه وامر ان لا يطعم وكان اللّه تبارك وتعالى يأتيه بطعامه وشرابه على يدي نبي من أنبيائه فكان دانيال يصوم النهار ويفطر بالليل على ما يدلى اليه من الطعام ، واشتدت البلوى على شيعته وقومه المنتظرين لظهوره وشكّ أكثرهم في الدين لطول الأمد ، فلما تناهى البلا بدانيال عليه السّلام وقومه رأى بخت نصّر في المنام كأن ملائكة السماء هبطت إلى الأرض أفواجا إلى الجبّ الذي فيه دانيال مسلّمين عليه يبشرونه بالفرج ، فلما أصبح ندم على ما أتى إلى دانيال فأمر بأن يخرج من الجب فلما خرج اعتذر اليه ما ارتكب منه ثم فوّض اليه النظر في أمور ممالكه والقضاء بين الناس ، فظهر من كان مستترا من بني إسرائيل ورفعوا رؤوسهم واجتمعوا إلى دانيال عليه السّلام موقنين بالفرج فلم يلبث الا القليل على تلك الحال ، وافضى الامر بعده إلى عزير ، فكانوا يجتمعون اليه ويأنسون به ، ويأخذون منه معالم دينهم فغيّب اللّه عنهم شخصه مأة عام ثم بعثه وغابت الحجج بعده ، واشتدت البلوى على بني إسرائيل حتى ولد يحيى بن زكريا عليها السّلام وترعرع ، فظهر وله تسع سنين ، فقام في الناس خطيبا فحمد اللّه واثنى عليه وذكرهم بأيام اللّه عز وجل وأخبرهم ان من محن الصالحين انما كانت لذنوب بني إسرائيل وان العاقبة للمتقين ، ووعدهم الفرج بقيام المسيح عليه السّلام بعد نيف وعشرين سنة من هذا القول . فلما ولد المسيح عليه السّلام أخفي اللّه ولادته ، وغيّب شخصه لان مريم عليها السّلام لما حملته انتبذت به مكانا قصيّا « 8 » ثم إن زكريا عليه السّلام وخالتها أقبلا يقفيان اثرها حتى هجما عليها ، وقد وضعت ما في بطنها وهي تقول يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا فاطلق اللّه تعالى ذكره لسانه بعذرها واظهار حجتها فلما ظهر اشتدت البلوى والطلب على بني إسرائيل واكبّ الجبابرة والطواغيت عليهم حتى كان من امر المسيح عليه السّلام ما قد اخبر اللّه به واستتر شمعون بن حمون والشيعة ، ثم افضى بهم الاستتار إلى جزيرة من جزائر البحر ، فأقاموا بها ففجر اللّه لهم فيها العيون العذبة ، واخرج لهم من كل الثمرات وجعل لهم فيها الماشية ، وبعث إليهم سمكة تدعى القمل لا لحم لها ولا عظم وانما هي جلد ودم ، وخرجت من البحر وأوحى اللّه عز وجل إلى النحل ان يركبها ، فركبتها فأتت بالنحل إلى تلك الجزيرة ، ونهض النحلة وتعلّق بالشجر ، فغرس وبنى وكنز العسل ، ولم يكونوا يفقدون شيئا من اخبار المسيح عليه السّلام .

--> ( 8 ) أي مكانا بعيدا .